عبد الوهاب الشعراني

481

اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ( وفي الحاشية الكبريت الأحمر )

لهم كل ما اجتهدوا فيه وجعله حكما شرعيا انتهى . وقال في الباب الحادي والستين ومائة : اعلم أن جميع المجتهدين لهم في مقام الإرث النبوي القدم الراسخة لكنهم لا يعرفون أنهم في ذلك المقام ، ولذلك ناظر بعضهم بعضا لسريان الأمداد الإلهية بالعلوم إليهم من هذا المقام فطلب كل واحد من صاحبه أن يرجع إلى ما ظهر له من الأدلة من وجوب أو تحريم أو ندب أو كراهة وكما أنهم لا يعرفون أنهم في ذلك المقام كذلك لا يعرفون ممن يستمدون كشفا ومشاهدة وإنما يعرفون ذلك بواسطة الأدلة فكل مجتهد على حق لاستمدادهم كلهم من عين الشريعة ، كما أن كل نبي تقدم على زمان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، على حق والإيمان بذلك واجب فعلم أن المجتهدين من هذه الأمة ورثة الأنبياء في التشريع لكن لا يستقلون بشرع لأنه لولا المادة التي أعطاها لهم الشارع من شرعه ما قدروا على التشريع المذكور ، فقد قامت لهم أدلتهم مقام الوحي للأنبياء وكان اختلاف اجتهادهم كاختلاف شرائع الرسل إلا أنهم لا يلحقون بالرسل لعدم الكشف اليقيني فإن أحدهم يحكم بحكم ثم يبدو له خلافه فيرجع عنه بخلاف الأنبياء لا يتركون الحكم الأول إلا بأمر جديد ورد عليهم من اللّه تعالى بنسخ حكمه فهم في حال علمهم وفي حال تركهم تابعون لأمر الشارع خارجون عن رأي نفوسهم كما أشار إليه قوله تعالى : لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ [ النساء : 105 ] . وقال في خلافة داود وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [ ص : 26 ] فخص سبحانه وتعالى حكم محمد وغيره بما أراه اللّه تعالى لنبيه ولم يقل له : احكم بما رأيت بل عاتبه لما حرم باليمين ما حرم على نفسه في قصة عائشة وحفصة تشريعا لنا فقال يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ [ التحريم : 1 ] فكان هذا من جملة ما أرته نفسه الشريفة وتبين أن المراد بقوله : بما أراك اللّه . أي : ما يوحي به إليك لا ما تراه من رأيك فلو كان الدين بالرأي لكان رأي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، أولى من كل رأي وأطال الشيخ محيي الدين في ذلك في الباب الثمانين وثلاثمائة ثم قال : وإذا كان العتب وقع على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فيما أرته نفسه فكيف برأي من ليس بمعصوم والخطأ أقرب إليه من الإصابة وأطال في ذلك ، ثم قال : وقد دل هذا على أن المراد بالاجتهاد الذي ذكره رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، هو الاجتهاد في طلب الدليل على نفس الحكم في المسألة الواقعة ، لا في تشريع حكم في النازلة من قبل نفس المجتهد فإن ذلك شرع لم يأذن به اللّه .